وقت الشدة يتبين لك العدو من الصديق، لكن ما العمل إذا كنت وحيدا بلا سند ولم تجد حولك أحد يعاونك في محنتك؟ هيا لنتعرف على الشدة التي أحاطت بوجدان وكيف نجت منها.
قصة رصاصة في الظلام
جف حلق وجدان عندما علمت أن المجرم الذي زُج به في السجن لمدة سبع سنوات بسبب شهادتها ضده حرُ طليق مرة أخرى. أخبرتها جارتها سهام بذلك عقب اتصالها لتستفسر عن أحوال شقتها القديمة.
ضاقت عليها الأرض بما رحُبت فلقد توعدها وهو مكبل بالأغلال بالانتقام، تعرف أنه لن يتوقف عن مطاردتها؛ لهذا تركت البلدة واستقرت في العاصمة، الكل له مشاغله وهي بالكاد ترى الجيران الجدد ربما مرة كل أسبوع إذا تصادف في المصعد.
أغلب سكان العمارة يعملون في الخارج برفقة أسرهم لذا فإن أغلب شقق العمارة خاوية.
قضت الليل والقلق يؤرق مضجعها، فليس لديها حيلة للتهرب من هذا الذي يُلاحقها وارتأت أن تقديم بلاغ ضده سيكون من قبيل العبث لأنه لم يقم بفعل شيء يضايقها.
حدثت نفسها بأنه ربما ما زال يبحث عنها لينتقم وينفذ تهديده وتارة تمني نفسها بأن أحوال السجن ربما غيرت من شخصيته فالسجن كما يقولون" تهذيب وتأديب وإصلاح" لربما تناسى قسمه بأن يؤذيها وأصبحت له اهتمامات أخرى من المحتمل أنه تاب وتعلم حرفة مفيدة وقرر أن يعيش بالحلال بدلا من بيع المواد المخدرة على الناصية وافساد عقول وصحة الناس، هكذا كانت تحدث نفسها إذا جن الليل.
قصة رصاصة في الظلام - المجرم يصل إلى وجدان
إلى أن جاءها الاتصال الذي قطع الشك باليقين، إنه نفس الصوت المتحشرج الذي يملؤه الحقد والكره بابتسامته المقيتة معلناً انتصاره ونجاحه في الوصول إليها، قال بغضب:" وقعتي ومحدش سمى عليكي، كنت فاكرة هتهربي مني دنت لو رجعتي بطن أمك مش هتهربي من قدرك، سبع سنين في السجن بعد الأيام علشان أخرج أدوقك من الذل اللي شربته هناك".
قالت بخوف:" حضرتك مش فاهم، ليه مخلي المسألة شخصية، أنا حلفت القسم، ومكنش ينفع أكذب وأشهد زور، وأنا شفتك بعيني وأنت بتبيع المخدرات".
قاطعها بغضب:" يا سلام مينفعش بقى تكذبي؟ طب أنا هخليكي تكرهي الساعة اللي شهدتي ضدي فيها، هخطف وأخلع عينك اللي شافتني وأربطك زي الكلب بسلسلة وأذلك بقية عمرك".
توقفت عقارب الزمن وأصيبت بقشعريرة سرت إلي قلبها الصغير قبل نفسها، فمن هي لتواجه هذا المجرم عتيد الإجرام وهي اليتيمة التي لا سند لها في هذه الحياة.
لم تشهد إلا إعمالا لقوله تعالى "ومن يكتمها فإنه آثم قلبه " ومن هي لتُذيق قلبها الإثم فتجرأت وشهدت ضد المجرم الذي أعتقد أنها ستكتم شهادتها خوفاً منه.
عقب اتصاله سبقتها العبرات وأخذت تتنفس بسرعة وكأنها تجري في مضمار السباق.
قصة رصاصة في الظلام وتعلق الغريق بقشة
تذكرت الشخص الذي قابلته صدفة في مكتبة الحي وقدم لها مساعدة وأعطاها رقم هاتفه للتواصل معه، لم يكن بيدها حيلة وتمنت لو يقوم بدور الشهم يخلصها من هذا البغيض المجرم.
غير أن الغريق إن ظن أن القشة ستُنجيه من الغرق، فهو بلا ريب واهمًا، عجيب أمر المرء حينما يؤمن بالغرباء وهو بعد لا يعرفهم؛ لربما هو إيمان عابر يجعل المرء يشعر بالارتياح ليحتال على معاناة قلة السند وفقد المُعين.
اتصلت به لتقص عليه الأمر فطالبها بالهدوء وأخبرها أنه في طريق عودته من عمله وسوف يعاود الاتصال بها ريثما يصل إلى منزله.
أخذ القلق يستبد بها شيئا فشيئا، وأخيرا جاء الإتصال، أخبرها أن تضيف الشخص لقائمة الحظر.
قالت لنفسها: ما هذا الهراء؟ ألم يكن بمقدوري أن أفعل هذا بمفردي، ثم أخبرها أن خوفها لا داعي له وأن ما قاله تهديد صادر من أحمق، وصفها بأنها تعطي الأمور أكبر من حجمها بل ووصفها لشدة خوفها بأنها مريضة تحتاج إلى التقويم النفسي والعلاج، لتتجاوز تهديد المجرم.
وجدت نفسها قد عادت للنقطة صفر مجدداً، لم يزرها النوم مطلقاً هذه الليلة وأيقنت أن نعمة الأمان لا تضاهيها نعمة أخرى وأخذت تدرس الخيارات المتاحة؛ لكي تفر وتنجو بنفسها من بطش عتيد الإجرام.
لم يكن بمقدورها أن تغادر البلاد لأن مغادرة البلاد تحتاج اجراءات كثيرة، كما أنها لا تملك مالا كافيا وبالكاد تملك قوت يومها وما زاد الطين بلة، أنها تلتزم بجلسات علاج في مستشفى حكومي، وليس بمقدورها إذا غادرت أن تستكمل نفقات العلاج.
إجتمع الخوف والمرض وكلاهما قد استعد لتكون له الغلبة، لكن المؤكد أنها الخاسر الوحيد في كلتا المعركتين.
قصة رصاصة في الظلام - مناجاة في جوف الليل
![]() |
| الظلام |
وحدها سجادة الصلاة كانت رفيقتها في تلك الليلة، همسات خرجت من قلبها طالبةً العون والمدد من الله، فلقد عز النصير وانقطعت الأسباب ولم يكن هنالك باب يرتجى سوى باب الواحد الوهاب.
عندما لاح ضوء الشمس، ارتدت ملابسها الثقيلة كان الجو ماطرا استنشقت رائحة المطر التي ملأت المكان.
تعثرت خطواتها وحاولت تجنب الوحل لتصل لتلك السيارة المُتهالكة التي ابتاعتها منذ عام لتتجنب أن تقترب من الناس؛ لكون مناعتها أصبحت ضعيفة نتيجة لتلقيها العلاج.
وصلت السيارة بعد صعوبة بالغة وتنفست الصعداء، انطلقت في طريقها ودخلت للطريق العمومي حيث مئات السيارات التي تسابق الطريق لتفر من الهطول الغزير للأمطار.
وصلت للعمل متأخرة بعض الشيء رمقها رئيسها العمومي بتلك النظرة الباردة التي توحي بالاستياء.
قررت أن تتغاضى عن نظراته ولا تعتد بها ؛ إذ أن لديها من الخطوب ما يكفيها فليذهب بنظراته إلى حيث شاء.
سرحت أمام الملفات التي تكدست أمامها؛ لتغيب أغلب الموظفين، الجميع يفضل أن يبقى داخل البيت في الأيام الماطرة وحدها دفعها الخوف للخروج علها تجد الأمان.
تناولت مشروبها الدافئ وتخيلت لو أنها جريئة مشاكسة تعادي الأعراف والقوانين ويهابها الجميع وقتها فقط سوف تكيل اللكمات لرئيسها الذي يكثر النقد وربما ستضرب أيضاً نادية تلك الزميلة الثرثارة التي لا تكف عن الشكوى من أم زوجها اعتماد ثم تختم الحديث بشرح طريقة عمل المحشي للسيدة عفيفي معددة فوائد المحشي في ليالي الشتاء الباردة.
ابتسمت فلم تقدر على مواصلة التخيل فهي لا تحب العنف ولا رؤية الدماء.
أخبرها رئيسها أنها لن تغادر إلا بعد السادسة لحاجة المدير العام لكل هذه الملفات قبل حلول المساء، ابتسمت زميلتها نادية بلؤم واخبرتها أنها لا تستطيع البقاء معها لأن مقادير المحشي معدة من الليلة الماضية، كما أنها ستضطر لشراء وشاح صوفي لإبنتها الصغيرة.
انتهت من إتمام مهامها في الخامسة والنصف و سمح لها رئيسها أخيراً بالانصراف، تحسست حقيبتها الصغيرة ثم أمسكت بمفاتيح السيارة وهبطت حيث سيارتها التي قد اعتلتها الأمطار.
فتحت الباب ودلفت مسرعة وانطلقت، حل المساء وعلقت في زحمة السير ساعة إضافية.
عندما وصلت إلى أول شارعها كانت المنطقة بأكملها حالكة السواد لقطع الكهرباء عن الأعمدة في ليالي الشتاء تجنباً للصدمات الكهربائية.
غمرت المياه الشارع المؤدي لبيتها تماما، ففضلت أن تترك السيارة في أوله حتى لا تتسرب إليها المياه أو تسقط أحد الشرفات القديمة فوقها؛ نظرت فإذا المكان وكأنه بحيرة صغيرة لا ينقصها سوى بضع بطات لتكتمل أنشودة محمد ثروت "البط يقوم فرحان من النوم يغطس ويعوم وهات يا لعب".
بالكاد كانت ترى أمامها وكانت تقفز فوق الأحجار التي رُصت في خط مستقيم ليتمكن العابرون من الوصول إلى منازلهم.
أحست بأن هنالك من يقفو أثرها لم تشأ أن تلتفت وتابعت السير أخذت تتحسس حقيبتها وكأنها تبحث عن شيء ما.
يمكنكم أيضا معرفة قصة: قاضي القضاة يأمر بقتل النساء
قصة رصاصة في الظلام - مواجهة مع المجرم
عندما أوشكت على الوصول جذبتها يد قاسية قوية من كتفها استدارت على إثر تلك القبضة لترى المجرم أمامها، يضحك برائحة نفسه الكريهة وتذكرت جلسة المحكمة وأسنانه الصفراء التي لم يغسلها ولو لمرة في حياته.
وضع يده على فمها وسحبها بقوة، حاولت أن تصرخ وتدفع يده لكن لم تتمكن من ذلك، قاومت لكنها سقطت في المياه، فانتشلها بسرعة ووضع معصمه حول رقبتها وواصل سحبها، تحسست حقيبتها بيد مرتجفة، ثم استدارت ودفتعه بقوة فهجم عليها،
لم تسمع صوت الرصاصة ولكنها أحست بالدماء الساخنة تجري فوق ملابسها وتسيل في كل مكان وقد اختلطت بالوحل، أخذت تصرخ بشكل هستيري وحاول المجرم أن يخنقها لكنها دفعته.
تجمع بعض الرجال وقام البعض الآخر بالاتصال بالشرطة وعمت الفوضى المكان، حضرت سيارة الإسعاف ولكنها لم تقدم المساعدة لأن الحالة قد فارقت الحياة.
قام رجال الشرطة بتغطية الجثة ببعض الأكياس البلاستيكية انتظاراً لمعاينة النيابة العامة للجثة، أما هي فقدت جلست على كرسي صغير وحولها الأهالي الذين حاولوا التخفيف عنها.
تبينت الشرطة أن الرصاصة التي ضُربت في الظلام كانت من سلاح وجدان المرخص وقتلته دفاعاً عن النفس وأن القتيل مجرم من أرباب السجون كان في فترة الإفراج الشرطي، فتم إطلاق سراحها من سرايا النيابة بضمان محل إقامتها.
قصة رصاصة في الظلام - وجدان البطلة تكسب الجولة الأخيرة
بعد التعافي تفقحصت هاتفها، فإذا بصورها وقصتها على كل المواقع والقنوات، تسابقت القنوات لمقابلة معها أو لعمل مداخلات هاتفية. انتشرت قصة البطلة وجدان التي تصدت في الظلام للبلطجي وأطلقت عليه الرصاص بشجاعة، تحسنت نظرة رئيسها في العمل وأصبح الجميع ينظر لها بكل تقدير واحترام ،حتى الأطفال الصغار في حيها السكني كانوا يتسابقون لمُصافحتها ويطالبونها بأن تقص عليهم كيف أردت المجرم في الظلام الدامس.
تيقنت بعد تلك الليلة العصيبة أن المواجهة هل الحل وأن العون والمساعدة تطلب من الله لا من أحد سواه.
دمتم بكل ود.


